الشيخ محمد علي طه الدرة
166
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أنهم لبثوا أربعين سنة في تسعة فراسخ « 1 » من أرض فلسطين يسيرون من الصّباح إلى المساء ، فإذا هم في المكان الذي ارتحلوا عنه ، ويسيرون من المساء إلى الصباح ، فإذا هم في المكان نفسه ، وكان ذلك في التيه عقوبة لبني إسرائيل ، ما خلا موسى ، وهارون ، ويوشع ، وكالب ، فإنّ اللّه سهّله عليهم ، وأعانهم عليه ، كما سهّل النار على إبراهيم ، وجعلها بردا وسلاما ، وكانوا أكثر من ستمئة ألف ، وبقاء هذا الجمع العظيم في هذه المساحة من الأرض مدّة أربعين سنة ، بحيث لم يخرج منه أحد إنّما هذا من باب خرق العادة ، وهو في زمن الأنبياء غير مستبعد ، ولمّا آذاهم حرّ الشمس ؛ أرسل عليهم الغمام يظلّهم في النّهار ، وأرسل عليهم عمودا من نور يطلع عليهم في اللّيل ، فيضيء لهم طريقهم ، ويسهّل عليهم تحرّكاتهم ، وكان طعامهم المنّ والسّلوى . هذا ؛ والآية مذكورة بحروفها في سورة الأعراف رقم [ 159 ] . ( وكان ماؤهم من الحجر الذي يحملونه معهم ، فيضربه موسى بعصاه ، فينفجر منه اثنتا عشرة عينا ) ، كما ستعرفه في الآية رقم [ 60 ] الآتية ، وأيضا في سورة الأعراف رقم [ 160 ] وكانت ثيابهم لم تبل في هذه المدّة ، ولا تتّسخ وكانت تطول معهم ، كما تطول الصّبيان ، قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ، ولا تدرن » ، أي : لا يصيبها وساخة ، ولا قذارة . هذا واختلف في المنّ ما هو ؟ فقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كان المنّ ينزل على الأشجار ، فيغدون إليه ، فيأكلون ما شاؤوا . وقال قتادة : كان المنّ ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج ، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك ، فإن ادّخر منه شيئا ؛ فسد عليه إلا يوم الجمعة ، فإنّهم كانوا يدّخرون فيه ليوم السبت ، فلا يفسد عليهم ؛ لأن يوم السبت يوم عبادة ، وما كان ينزل عليهم فيه شيء . وقال عبد الرحمن بن أسلم : إنّه العسل . وليس بشيء . هذا ؛ وقيل : المنّ مصدر ، يعم جميع ما منّ اللّه به على عباده من غير تعب ، ولا زرع ، ومنه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث سعيد بن عمرو بن نفيل ( أحد العشرة المبشرين بالجنة - رضي اللّه عنه - ) : « الكمأة من المنّ الّذي أنزل اللّه على بني إسرائيل ، وماؤها شفاء للعين » . رواه مسلم . قال أبو عبيد رحمه اللّه تعالى : إنّما شبهها بالمنّ ؛ لأنه لا مؤونة فيها ببذر ، ولا سقي ، ولا علاج ، فهي منه ، أي من جنس منّ بني إسرائيل في أنّه كان دون تكلّف . قال بعض أهل العلم بالطّبّ : الكمأة شفاء للعين ، إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة ، فتستعمل بنفسها مفردة ، وإما لغير ذلك ، فمركبة مع غيرها . وذهب أبو هريرة - رضي اللّه عنه - إلى استعمالها بحتا في جميع أمراض العين ، وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض
--> ( 1 ) الفرسخ : مسافة تبلغ ثلاثة أميال هاشمية ، والميل الهاشمي ( 5760 ) مترا ( المعجم المدرسي ) .